عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

212

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّه مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) ولا يَتَمَنَّوْنَه أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْه فَإِنَّه مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) * ( قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا ) * تهودوا . * ( إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّه مِنْ دُونِ النَّاسِ ) * إذ كانوا يقولون نحن أبناء اللَّه وأحباؤه . * ( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) * فتمنوا من اللَّه أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة . * ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * في زعمكم . * ( وَلا يَتَمَنَّوْنَه أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) * بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي . * ( واللَّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) * فيجازيهم على أعمالهم . * ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْه ) * وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم . * ( فَإِنَّه مُلاقِيكُمْ ) * لاحق بكم لا تفوتونه ، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف ، وكأن فرارهم يسرع لحوقه بهم . وقد قرئ بغير فاء ويجوز أن يكون الموصول خبرا والفاء عاطفة . * ( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * بأن يجازيكم عليه . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّه وذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه واذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ) * أي إذا أذن لها . * ( مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) * بيان ل * ( إِذا ) * وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة ، وكانت العرب تسميه العروبة . وقيل سماه كعب بن لؤي لاجتماع الناس فيه إليه ، وأول جمعة جمعها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أنه لما قدم المدينة نزل قباء فأقام بها إلى الجمعة ، ثم دخل المدينة وصلَّى الجمعة في واد لبني سالم بن عوف . * ( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّه ) * فامضوا إليه مسرعين قصدا فإن السعي دون العدو ، وال * ( ذِكْرِ ) * الخطبة ، وقيل الصلاة والأمر بالسعي إليها يدل على وجوبها . * ( وذَرُوا الْبَيْعَ ) * واتركوا المعاملة . * ( ذلِكُمْ ) * أي السعي إلى ذكر اللَّه . * ( خَيْرٌ لَكُمْ ) * من المعاملة فإن نفع الآخرة خير وأبقى . * ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * الخير والشر الحقيقيين ، أو إن كنتم من أهل العلم . * ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ) * أديت وفرغ منها . * ( فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه ) * إطلاق لما حظر عليهم ، واحتج به من جعل الأمر بعد الحظر للإباحة . وفي الحديث « ابتغوا من فضل اللَّه ليس بطلب الدنيا وإنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيادة أخ في اللَّه » . * ( وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً ) * واذكروه في مجامع أحوالكم ولا تخصوا ذكره بالصلاة . * ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * بخير الدارين . وإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّه خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّه خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) * ( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها ) * روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يخطب للجمعة فمرت عليه عير تحمل الطعام ، فخرج الناس إليهم إلا اثني عشر رجلا فنزلت . وإفراد التجارة برد الكناية لأنها المقصودة ، فإن المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير ، والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته ، أو للدلالة على أن الانفضاض إلى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما